عمر بن علي بن عادل الدمشقي الحنبلي

114

اللباب في علوم الكتاب

قوله : وَكَأَيِّنْ مِنْ قَرْيَةٍ أَمْلَيْتُ لَها وَهِيَ ظالِمَةٌ أي : أمهلتها مع استمرارهم على ظلمهم ، فاغتروا بذلك التأخير ، « ثُمَّ أَخَذْتُهُمْ » بأن أنزلت العذاب بهم ومع ذلك فعذابهم مدخر ، وهو معنى قوله « وَإِلَيَّ الْمَصِيرُ » . فإن قيل : ما الفائدة في قوله أولا « فكأين » بالفاء ، وهاهنا قال « وكأين » بالواو ؟ فالجواب : أن الأولى وقعت بدلا من قوله « فَكَيْفَ كانَ نَكِيرِ » ، وأما هذه فحكمها ما تقدمها من الجملتين المعطوفتين بالواو ، أعني قوله : « وَلَنْ يُخْلِفَ اللَّهُ وَعْدَهُ وَإِنَّ يَوْماً عِنْدَ رَبِّكَ كَأَلْفِ سَنَةٍ » « 1 » . قوله : قُلْ يا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّما أَنَا لَكُمْ نَذِيرٌ مُبِينٌ أمر رسوله بأن يديهم لهم التخويف والإنذار ، وأن لا يصده استعجالهم للعذاب على سبيل الهزء عن إدامة التخويف والإنذار ، وأن يقول لهم : إنما بعثت للإنذار « 2 » فاستهزاؤكم بذلك لا يمنعني منه « 3 » . قوله : فَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ . لما أمر الرسول بأن يقول لهم : إني نذير مبين أردف ذلك بأن أمره بوعدهم ووعيدهم ، لأن هذه صفة المنذر « 4 » ، فقال « 5 » : « فَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ » فجمع بين الوصفين ، وهذا يدل على أن العمل خارج عن مسمى الإيمان ، وبه يبطل قول المعتزلة ويدخل في الإيمان كل ما يجب من الاعتقاد بالقلب والإقرار باللسان ، ويدخل في العمل الصالح كل واجب وترك المحظور « 6 » ، ثم بين تعالى أن من جمع بينهما فاللّه تعالى يجمع له بين المغفرة والرزق الكريم ، فالمغفرة عبارة عن غفران الصغائر ، أو عن غفران الكبائر بعد التوبة ، أو عن غفرانها قبل التوبة ، والأولان واجبان عند الخصم ، وأداء الواجب لا يسمى غفرانا فبقي الثالث وهو العفو عن أصحاب الكبائر من أهل القبلة . وأما الرزق الكريم فهو إشارة إلى الثواب « 7 » ، والكريم : هو الذي لا ينقطع أبدا وقيل : هو الجنة « 8 » . قوله : وَالَّذِينَ سَعَوْا فِي آياتِنا مُعاجِزِينَ أي : اجتهدوا في ردها والتكذيب بها وسموها سحرا وشعرا وأساطير الأولين ، يقال لمن بذل جهده في أمر : إنه سعى فيه توسعا ، كما إذا بلغ الماشي نهاية طاقته فيقال : إنه سعى ، وذكر الآيات وأراد التكذيب بها مجازا « 9 » ، قال الزمخشري : يقال : سعيت في أمر فلان إذا أصلحه أو أفسده بسعيه « 10 » . قوله : « معجّزين » قرأ أبو عمرو وابن كثير بتشديد الجيم هنا وفي حرفي سبأ « 11 » .

--> ( 1 ) انظر الكشاف 3 / 36 ، الفخر الرازي 23 / 47 . ( 2 ) في ب : الإنذار . وهو تحريف . ( 3 ) انظر الفخر الرازي 23 / 47 . ( 4 ) في الأصل : المنعمد . ( 5 ) فقال : سقط من ب : . ( 6 ) في ب : محظور . ( 7 ) انظر الفخر الرازي 23 / 47 - 48 . ( 8 ) انظر البغوي 5 / 599 . ( 9 ) انظر الفخر الرازي 23 / 48 . ( 10 ) الكشاف 3 / 36 . ( 11 ) وهما قوله تعالى : وَالَّذِينَ سَعَوْا فِي آياتِنا مُعاجِزِينَ أُولئِكَ لَهُمْ عَذابٌ مِنْ رِجْزٍ أَلِيمٌ [ سبأ : 5 ] وقوله -